صديق الحسيني القنوجي البخاري

296

فتح البيان في مقاصد القرآن

سمت همتهم عن المحقرات فظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة ، وقيل سماهم الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء ، والكأس في اللغة هو الإناء الذي فيه الشراب ، وإذا لم يكن فيه الشراب لم يسم كأسا ، بل هو إناء ، ولا وجه لتخصيصه بالزجاجة بل يكون من الزجاج ومن الذهب والفضة والصيني وغير ذلك ، وقد كانت كؤوس العرب من أجناس مختلفة ، وقد يطلق الكأس على نفس الخمر كما في قول الشاعر : وكأس شربت على لذة * وأخرى تداويت منها بها « 1 » كانَ مِزاجُها كافُوراً أي ما يخالطها وتمزج به ، يقال مزجه يمزجه مزجا أي خلطه يخلطه خلطا ومنه مزاج البدن وهو ما يمازجه من الإخلاط ، والكافور قيل هو اسم عين في الجنة يقال لها الكافور أي تمزج خمر الجنة بماء هذه العين ، وقال قتادة ومجاهد : تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك ، وقال عكرمة : مزاجها طعمها ، وقيل إنما الكافور في ريحها لا في طعمها ، وقيل إنما أراد الكافور في بياضه وطيب رائحته وبرده ، لأن الكافور لا يشرب كما في قوله حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً [ الكهف : 96 ] أي كنار ، وقال ابن كيسان : طيبها المسك والكافور والزنجبيل ، وقال مقاتل : ليس هو كافور الدنيا وإنما سمى اللّه ما عنده بما عندكم حتى تهتدي له القلوب . والجملة في محل جر صفة لكأس ، وقيل إن « كان » ههنا زائدة أي من كأس مزاجها كافور ، وقرأ عبد اللّه قافورا بالقاف بدل الكاف ، قال السمين وهذا من التعاقب بين الحرفين . [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 6 إلى 12 ] عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً ( 6 ) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ( 7 ) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ( 8 ) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً ( 9 ) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ( 10 ) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ( 11 ) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ( 12 ) وقوله عَيْناً بدل من كافور لأن ماءها في بياض الكافور ، وقال مكي إنها بدل من محل من كأس على حذف مضاف كأنه قيل يشربون خمرا خمر عين ، وقيل إنها منتصبة على أنها مفعول يشربون أي عينا من كأس ، وقيل هي منتصبة على الاختصاص ، قاله الأخفش وقيل بإضمار فعل يفسره ما بعده أي يشربون عينا ، وذكر السمين في نصبها وجوها والأول أولى .

--> ( 1 ) يروى البيت : وكأس شربت على لذة * دهاق ترنّح من ذاقها والبيت من المتقارب ، وهو بلا نسبة في أساس البلاغة ( رنح ) ، وتاج العروس ( رنج ) .